فخر الدين الرازي

225

الأربعين في أصول الدين

بالكفار ، لا يلزم التعطيل ، بل يلزم التخصيص . ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل . الثاني عشر : ان مقصود الرحيم الكريم من الايجاد والخلق انما هو الرحمة ، لا العذاب . والخصم أولى الناس بهذا القول . * * * والأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة منها : قوله عليه السلام حكاية عن الله تعالى : « سبقت رحمتي غضبى » وقوله تعالى : « خلقتكم لتربحوا على لا لأربح عليكم » وإذا كان كذلك ، فالمقصود الأصلي هو الرحمة والاحسان . والعذاب ليس بمقصود البتة . فترجيح الوعد على الوعيد ، يقتضي ترجيح الأصل على التبع والفرع ، وترجيح الوعيد على الوعد ، يقتضي ترجيح التبع على الأصل . فكان الأول أولى . الثالث عشر : ان عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت ، فنحن نرجح عمومات الوعد بالآيات الدالة على العفو والغفران . وهذا ترجيح يجب المصير إليه . وذلك لأن آيات العفو لا بدّ أن تكون خاصة ، وآيات العقوبة والوعيد لا بدّ أن تكون عامة . والا لم تدل على مقصودهم . والعام والخاص إذا تعارضا ترجح الخاص على العام . فثبت بمجموع هذه الوجوه : ان عمومات الوعد راجحة على عمومات الوعيد . فسقط كلام المعتزلة بالكلية . قالت المعتزلة : ترجيح جانب الوعيد أولى . ويدل عليه وجوه : الأول : ان الأمة مجمعة على أن الفاسق يلعن ويحد - على سبيل التنكيل - وذلك يدل على أنه مستحق للعذاب ، إذ لو لم يكن مستحقا للعذاب ، لما جاز لعنه ، ولا إقامة الحد عليه - على سبيل التنكيل - وإذا ثبت أنه في هذه الحالة مستحق للعقاب ، استحال أن يكون مستحقا الثواب ، لأن العقاب مضرة خالصة دائمة ، والثواب منفعة خالصة